ابن أبي الحديد

88

شرح نهج البلاغة

حدث ابن الكلبي عن عوانة ، قال : ( 1 ) خرج النجاشي في أول يوم من شهر رمضان ، فمر بأبي سمال الأسدي ، وهو قاعد بفناء داره ، فقال له : أين تريد ؟ قال : أردت الكناسة ، فقال : هل لك في رؤوس وأليات قد وضعت في التنور من أول الليل ، فأصبحت قد أينعت وقد تهرأت ؟ قال : ويحك ! في أول يوم من رمضان ! قال : دعنا مما لا نعرف ، قال : ثم مه ، قال : أسقيك من شراب كالورس ، يطيب النفس ، ويجرى في العرق ، ويزيد في الطرق ، يهضم الطعام ، ويسهل للفدم ( 2 ) الكلام ، فنزل ، فتغديا ، ثم أتاه بنبيذ فشرباه ، فلما كان آخر النهار علت أصواتهما ، ولهما جار من شيعة علي عليه السلام ، فأتاه فأخبره بقصتهما ، فأرسل إليهما قوما فأحاطوا بالدار ، فأما أبو سمال فوثب إلى دور بنى أسد فأفلت ، وأخذ النجاشي فأتى عليه السلام به ، فلما أصبح أقامه في سراويل ، فضربه ثمانين ، ثم زاده عشرين سوطا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أما الحد فقد عرفته ، فما هذه العلاوة ( 3 ) ؟ قال : لجرأتك على الله ، وإفطارك في شهر رمضان . ثم أقامه في سراويله للناس ، فجعل الصبيان يصيحون به : خرى النجاشي ، خرى النجاشي ! وجعل يقول : كلا إنها يمانية وكاؤها شعر . قال : ومر به هند بن عاصم السلولي ، فطرح عليه مطرفا ، فجعل الناس يمرون به ويطرحون عليه المطارف ، حتى اجتمعت عليه مطارف كثيرة ، فمدح بنى سلول فقال : إذا الله حيا صالحا من عباده * تقيا فحيا الله هند بن عاصم وكل سلولي إذا ما دعوته * سريع إلى داعي العلا والمكارم هم البيض أقداما وديباج أوجه * جلوها إذا اسودت وجوه الملائم ولا يأكل الكلب السروق نعالهم * ولا يبتغى المخ الذي في الجماجم

--> ( 1 ) الخبر في الشعر والشعراء 289 والخزانة 4 : 368 ( 2 ) الفدم : الغبي . ( 3 ) العلاوة ، بالكسر : كل ما زاد عن الشئ